محمد متولي الشعراوي

1135

تفسير الشعراوي

الزمن في مسألة الحمار . إنه سبحانه يظهر لنا أنه هو القابض الباسط ، فهو الذي يقبض الزمن في حق شئ ، ويبسط الزمن في حق شئ آخر ، والشيئان متعاصران معا . وتلك العملية لا يمكن أن تكون إلا لقدرة طليقة لا تملكها النواميس الكونية ، وإنما هي التي تملك النواميس . وقد قال الحق سبحانه : « وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ » ، فمن هم الناس الذين سيجعل اللّه من قضية الذي مرّ على قرية آية لهم ؟ كان لا بد أن يوجد أناس في القصة ، لكن القرية خاوية على عروشها ، وليس فيها إنسان أو بنيان ، أهم الذين كانوا في القرية أم سواهم ؟ قال بعض المفسرين هذا ، وقال البعض الآخر الرأي المضاد . وأصدق شئ يمكن أن يتصل بصدق اللّه في قوله : « وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ » هو قبض اللّه للزمن في حق شئ ، وبسطه في حق شئ آخر ، وعزير كما قال جمهرة العلماء هو الذي مر على قرية ، وعزير هذا كان من الأربعة الذين يحفظون التوراة ، فلم يحفظ التوراة إلا أربعة : موسى ، وعيسى ، وعزير ، ويوشع ، وقد أراه اللّه العظام وكيف ينشزها ويرفعها فتلتحم ثم يكسوها لحما ، أي أراه عملية الإحياء مشهديا ، وفي هذا إجابة للسؤال : « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » ؟ والحق يقول : « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها » و « ننشزها » أي نرفعها ، ورأى « عزير » كل عظمة في حماره ، وهي ترفع من الأرض ، وشاهد كل عظمة تركب مكانها ، وبعد تكوين الهيكل العظمى للحمار بدأت رحلة كسوة العظام لحما ، وبعد ذلك تأتى الحياة . لقد وجد عزير إجابة في نفسه ، ووجد إجابة في الحمار ، ومن بعد ذلك تذكر قريته التي خرج منها ، وأراد العودة إليها ، فلما عاد إليها وجد أمرها قد تغير بما يتناسب مع مرور مائة عام ، وكان في تلك القرية مولاة لهم ، أي أمة في أسرته ، وكانت هذه الأمة قد عميت وأصبحت مقعدة ، فلما دخل وقال : أنا العزير . قالت الأمة : ذهب العزير من مائة عام ولا ندري أين ذهب ولم يعد ؟